ابن حزم

210

جوامع السيرة النبوية

وكان في تلك المرضة قال لعائشة أم المؤمنين رضى اللّه عنها : لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابا وأعهد عهدا ، لئلا يتمنى متمن أو يقول قائل ، ويأبى اللّه والمؤمنون إلا أبا بكر . فلم يكن ، واللّه أعلم ، الكتاب الذي أراد صلى اللّه عليه وسلم أن يكتبه ، فلا يضل بعده ، إلا في استخلاف أبى بكر . وقد ظهرت مغبة ذلك ، وكاد الناس يهلكون في الاختلاف فيمن يلي أمر المسلمين بعد ، وفى الذي يلي من بعد من قام بعده ، وإلى زمن على ، والأمر كذلك فيمن بعد على . وبالجملة فالكتاب كان رافعا لهذا النزاع ، ولو لم يكن فيه إلا الاستراحة من سفك الدماء في أمر عثمان ومن بعده ؛ فلا حول ولا قوة إلا باللّه تعالى ، فلقد هلكت في هذا طوائف ، وتمادى ضلالهم إلى اليوم . وصلى عليه السلام وراء أبى بكر في الصف صلاة تامة ، وصلى أبو بكر بالناس تلك الأيام ، بعهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك إليه . وخرج صلى اللّه عليه وسلم في بعض تلك الأيام وهو متوكئ على على والعباس ، وأبو بكر قد أخذ في الصلاة بالناس ، فقعد عن يسار أبى بكر ، وأبو بكر في موضع الإمام ، وصار أبو بكر واقفا عن يمينه في موضع المأموم ، يسمع تكبير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فصلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالناس ، يؤمهم قاعدا وهم خلفه . فصار ذلك مؤيدا لما سبق من صلاته صلى اللّه عليه وسلم بالناس جالسا . وكان في هذا إجازة وقوف المذكر في مثل هذه الصلاة عن يمين الإمام . وهذه آخر صلاة صلاها صلى اللّه عليه وسلم بالناس .